الراغب الأصفهاني
207
الذريعة إلى مكارم الشريعة
كون الرسل والعقل هاديين الخلق إلى الحق للّه عز وجل إلى خلقه رسولان : أحدهما : من الباطن وهو العقل ، والثاني : من الظاهر وهو الرسول ، ولا سبيل لأحد إلى الانتفاع بالرسول الظاهر ما لم يتقدمه الانتفاع بالباطن ، فالباطن يعرف صحة دعوى الظاهر ، ولولاه لما كانت تلزم الحجة بقوله ، ولهذا أحال اللّه من يشكك في وحدانيته وصحة نبوة أنبيائه على العقل ، فأمره بأن يفزع إليه في معرفة صحتها « 1 » . فالعقل : قائد والدين مدد ، ولو لم يكن العقل لم يكن الدين باقيا ، ولو لم يكن الدين لأصبح العقل حائرا ، واجتماعهما كما قال اللّه تعالى : نُورٌ عَلى نُورٍ « 2 » .
--> ( 1 ) لكن هذه الأهمية للعقل لا تعني أن ثبوت الشرع في نفسه أو الرسالة في صدقها متوقف علي فهم العقل ، بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية يصرح أنه ليس متوقفا علي وجودنا فضلا عن تعقلنا « فإن الشرع المنزل من عند اللّه ثابت في نفسه سواء علمناه بعقولنا أم لم نعلمه ، فهو مستغن في نفسه عن علمنا وعقلنا ، ولكن نحن محتاجون إليه ، وإلى أن نعلمه بعقولنا ، فإن العقل إذا علم ما هو عليه الشرع في نفسه ، صار عالما به وبما تضمنه من الأمور التي يحتاج إليها في دنياه وآخرته ، وانتفع بعلمه به ، وأعطاه ذلك صفة لم تكن له قبل ذلك ، ولو لم يعلمه لكان جاهلا ناقصا » ابن تيمية / درء تعارض العقل والنقل / 1 / ص 89 وانظر كذلك 87 ، 88 من الكتاب ذاته . ( طبعة جامعة الإمام ) ( 2 ) النور / 35 .